عبد الوهاب الشعراني

429

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

راباهم وربما باع وندم أو اشترى وندم فشرع له الخيار ، وربما غصب الأموال واحتكر الطعام على الناس فجاءت الشريعة بالنهي عن الاحتكار والغصب وربما جحد البيع أو الشراء فشرع التحالف قطعا للنزاع وربما اشترى الثمرة قبل التأبير فادعاها المشتري أو اشترى عقارا فقط فادّعى ما فيه من المنقولات وهكذا فشرع له أحكام باب بيع الأصول والثمار وأمر بإعطاء كل ذي حق حقه على يد شهود عدول ليرجع إليهم كما هو الغالب على أهل الدنيا وسبب مشروعية ذلك كله إنما هو الأكل لما أكل حجب عن جميع الحقوق التي ذكرناها ثم إن الشارع صلى اللّه عليه وسلم ، لما علم حجاب أمته بالأكل عن إرفاق بعضهم بعضا على حكم المسامحة اللائقة بإخوة الإسلام وسع صلى اللّه عليه وسلم ، على الناس بالسلم والرهن وضرب الحجر على من عليه ديون الناس ولا يجد لها قضاء حتى إن المفلس لا يحبس ويحجر على السفيه حتى لا يتلف ماله في غير طريق شرعي فإن اللّه تعالى قد جعلها له قياما وأصل وجود السفه في الإنسان إنما هو من الأكل وكذلك وسع صلى اللّه عليه وسلم ، على الناس بالعارية والوديعة والشركة والوكالة والشفعة والحوالة وأمرهم أن يقروا بما عليهم من الحقوق في هذه الدار قبل الدار الآخرة ، وأصل ذلك حجابهم بالأكل عن شهود مصالحهم ومصالح إخوانهم وكذلك شرع لأمته أن يضمنوا بعضهم بعضا ويصالحوا ببعض ديونهم إذا عجز المديون عن الوفاء ، وكذلك نفس صلّى اللّه عليه عن أمته بالمساقاة والقراض والإجارة ووسع عليهم في إحياء الموات وأمرهم برد اللقطة واللقيط وإعطاء الجعالة من رد الآبق لما حجبوا عن فعل ذلك مع إخوانهم وأصل حجابهم الأكل فلو لا الأكل لكان الناس كلهم يتعاونون على البر والتقوى من غير مخالفة فيكونون كالملائكة لا يتصرفون قط إلا في خير ولا يقعون في شر البتة . وتأمل الملائكة تجدهم منزهين عن الوقوع في شيء من هذه الأمور لعدم حجابهم وأما الهبة والهدايا والوقف فإنما شرع ذلك شكرا للنعمة الحاصلة بالبيع والشراء فهي نوع آخر معدود من مكارم الأخلاق ، وإنما كان الوقف لا يصح إلا على التأبيد مبالغة في دوام المعروف والصدقة بعد الموت وجبرا للخلل الواقع من صاحب المال طول مدة كون المال في يده فلو كان كل من وجده محتاجا أعطاه حاجته أولا فأولا ما شدد عليه في تأبيد الوقف وكان يكفيه أن يقدر له مدة معلومة انتهى . ( فإن قيل ) : فما وجه تعلق باب الفرائض وبيان قسمتها بالأكل من الشجرة ؟